الحوار السوداني،السوداني بالداخل ومستقبل الدولة السودانية..

بقلم الرفيق ✍: عبدالرحمن سيد (أوزريس كلتوس)
الخرطوم ١٢/سبتمبر/٢٠٢١م
يمر السودان الآن بحالة إنسداد وتوهان وتشتت إثر تعقيدات وتداخلات عدة عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية حيث لا وجود للدولة بمعناها متمثلة في غياب المؤسسات وعدم وجود هياكل للسلطة بشكل مكتمل حتى تكون منفصلة(تنفيذية،تشريعية،قضائية) تقوم بما لديها من أدوار،في ظل وجود حكومة مرحلة انتقالية هشة وناقصة ومتناقضة ،الي جانب عدم التوافق في الرؤى داخل مايسمى _ ب(مجلس شركاء المرحلة الإنتقالية”نخب قحت+جبهة ثورية+جنجا عسكر) _ والذين ساهموا بشكل او بآخر في الصراع حول نسب المحاصصات في السلطة دون تقديم رؤية لبناء السودان ،مما أثر في الخروج برؤية مكتملة وشاملة كمرجعية لعمل الجهاز السيادي والتنفيذي للدولة ، مع غياب الجيش الوطني الواحد وعدم حل ودمج الحركات والمليشيات حتى الآن ..الي جانب تغييب الشعب في شتى المراحل والقرارات خاصة المصيرية منها .
إن التباطؤ والتفكك والهشاشة التي تتسم بها هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان
من عدم الإستقرار الأمني والصراع الاجتماعي بين مكونات الشعب الواحد وكذلك الإنهيار في الاقتصاد الوطني وانتهاء قيمة العملة المحلية ،الي جانب عدم وجود ووضع رؤية واضحة المعالم لعلاقات خارجية مبنية وفقا للمصالح المشتركة ، إضافة الي التسيب والهرجلة داخل مؤسسات الخدمة المدنية الي جانب عدم إزالة ومحاسبة رموز النظام واسترداد المنهوبات وفقا لمنهجية قانونية شفافة وواضحة ..
إن المشهد الحالي بشتى تفاصيل مجالاته المختلفة والذي يشكل لنا واقع لدولة ضعيفة ومهتزة ،تؤكد غياب قيم المواطنة المتساوية.
إن كل مايجري ليس بجديد فقد تعاقبت الانظمة السياسية الحاكمة في السودان سواء ان كانت (دكتاتورية عسكرية ،ديمقراطية مزيفة) فقد إنطلقت من ذات (المنهج والعقلية) ابتداءا من سياسية الفرض والإقصاء وعدم الاعتراف بكل التعدد والتنوع الموجود داخل الدولة (سياسيا،عرقيا،دينيا،ثقافيا،جغرافيا ) وعدم العمل علي مشاركة وادارة هذا التنوع ،الي جانب عدم وضع دستور وطني شامل يشكل اطار متكامل للتنوع الجميل داخل الدولة ، الي جانب عدم وجود نظام يتماشى مع طبيعة الدولة السودانية من حيث التعدد الكبير والمساحات الجغرافية الشاسعة،وعدم ايجاد الهوية الوطنية ،الي جانب غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة لبناء اقتصاد وطني متقدم عبر دعم الانتاج وتوظيف وادارة الموارد ، الي جانب غياب الجيش الوطني السوداني القومي الموحد وبناء عقيدة قتالية قومية بعيدا عن الأدلجة الضيقة وعدم تجريم تسييس المؤسسات العسكرية .
ان كل ما سبق يحتم على كل السودانيين بجميع مكوناتهم إيجاد وابتكار خارطة طريق جديدة في ظل أعقاب ثورة الشعب ديسمبر المجيدة عبر طرق وآليات جديدة غير ماهو مجرب من (الانقلابات العسكرية،الانتخابات المزيفة ، الديمقراطيات الزائفة ) والعمل على ايجاد آلية استراتيجية وشاملة لا تقصي أحد (باستثناء )من أجرم وقتل واستباح وسرق الشعب السوداني طيلة ٣٠ سنة من الزمان ، يجب ان يكون الحل بمشاركة كل مكونات الشعب السوداني بالأصالة عن نفسه وليس بالوكالة او الوصايا من فرد او مجموعة تفاديا لإعادة إنتاج ذات العقلية الصفوية التي تعيد إنتاج نفسها والأزمة الوطنية معا، وبالتالي تستمر معانات الشعب السوداني الذي طالت آلامه ،وتبددت آماله سنين عجاف …
إن الحل الأفضل يجب ان ينطلق من مفهوم الحوار الاستراتيجي الشامل بين كل السودانيين كمدخل لمخاطبة جذور الأزمة التاريخية في مختلف القضايا المصيرية والهامة كالهوية ونظام الحكم ، والاقتصاد،والمؤسسات ، والجيش والتعليم والصحة ، وكذلك العلاقات الخارجية ،وكل ما يتعلق بمستقبل بناء الدولة السودانية التي يجب ان تتحقق فيها قيم السلام الاجتماعي الشامل ،والعدل ،والحرية والديمقراطية ليجد اي مواطن/ة سوداني/ة نفسه داخل الدولة متلقيا لحقوقة السياسية والمدنية وغيرها و قائما بواجباته تجاه الدولة .
إن مفهوم الحوار بين أبناء وبنات الشعب السوداني للجلوس داخل السودان ومناقشة جزور الازمة تاريخيا بمناقشة أسبابها وكيفية المعالجة لها بمشاركة الكل ،يتطلب إرادة وطنية سودانية حقيقية من كل مكونات الشعب بأحزابه السياسية يمينية كانت ام يسارية وكذلك منظمات المجتمع المدني والقوى المدنية المختلفة والجماعات الدينية كافة وكذلك المكونات الاجتماعية والشعبية القاعدية ولجان المقاومة والشفاتة والكنداكات والمبادرات الوطنية والشبابية ،تتطلب إرادة تتمخض بالتفاني والتنازل وترك التعالى والجلوس والمشاركة وتقديم الرأي بكل شفافية في اطار التعاطي في( تفنيد وتفتيت) أسباب جذور الازمات كافة والمشاركة بذات الكيفية في وضع الحلول وإعتماد مخرجات الحوار الوطني السوداني بين كل السودانيين كثوابت وطنية متفق عليها بمشاركة ومباركة الجميع لصياغتها في محتويات الدستور الوطني الشامل( والمفقود الآن) والعمل على طرحه للشعب لابداء الاراء فيه واعتماده وهنا تبدا الخطوات الفعلية والجادة لايجاد وطن يسع الجميع ..
ان الحوار الاستراتيجي والشامل قد يبدو صعبا وفيه الكثير من التحديات ولكن علينا بالارادة الوطنية ان نعمل معا منطلقيين من قيم التسامح وقبول الآخر وايمانا منا بأن الوطن يصلحه أبناءه وان أردنا وكنا بلا صراع وايقاف لنزيف الدم والجوع والتشريد والقتل والانتهاك والانهيار فعلينا ان نعمل معا لدعم جلوس كل السودانيين ومخاطبة قضاياهم والخروج بالحل الشامل والمتين .
ان اقامة حوار بهذا المفهوم العميق يتطلب خلق بيئة مواتية تدعم وتفضي لمشاركة الجميع من ابناء وبنات الشعب السوداني يتحقق في ظل حكومة انتقالية جادة و بالارادة الوطنية الخالصة وكذلك التسامح وقبول الآخر ومبدأ الشفافية والإبتعاد عن الإبتزار والحقد السياسي والكراهية تجاه الآخر ، وكذلك تحقيق العدالة الانتقالية وتسليم المجرمين لمحكمة الجنايات الدولية ضمانا لتحقيق العدالة وجبر أسر الضحايا والنازحيين وتعويضهم فرديا وجماعيا وكل مايساعد في تسهيل اقامة الحوار والمشاركة الواسعة والفاعلة فيه من مكونات الشعب السوداني .
علينا ان نؤمن بأن حل الازمة يكمن بمشاركة كل مكونات الشعب السوداني بإستثناء المجرمين من نظام المؤتمر الوطني ،لبناء دولة مؤسسات وحريات وسيادة حكم القانون وتحقيقا للقيم الانسانية التي تكفل للجميع السودانيين حياة وعيش كريم ..
دامت نضالات الشعب السوداني
#الحوارالسودانيالسوداني_بالداخل
